اسماعيل بن محمد القونوي
567
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بها لا يكون بمجرد الأبصار وكذا أكثر الأدلة العقلية ولذا ترى الأصم محروما عن الكمال بالمرة بخلاف الأعمى فإن بعضهم يرتقي في الكمال مبلغا لا يصل إليه بعض المبصرين وناهيك دليلا على كون استفادة العقل من السمع أكثر وللتنبيه على شرافته قدم على البصر في أكثر مواضع من القرآن ومن الأخبار وقدم أحوال الليل لتقدم الليل في الوجود وعن هذا قدم أيضا في الآية التي تليها . قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 73 ] وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 73 ) قوله : ( ومن رحمته ) أي وبسبب رحمته « 1 » فمن سببية جعل أي خلق لأجلكم الليل إذ الليل وإن كان عبارة عن الظلمة وهي عدم ملكة يتعلق به الخلق . قوله : ( أي في الليل ) أشار إلى أن الكلام لف ونشر مرتب . قوله : ( ولتبتغوا في النهار ) أعيد اللام للتنبيه على استقلاله قوله في النهار نبه به على أن فيه محذوفا اكتفاء بالأول من فضله قيد للأخير أولهما الضمير في من فضله راجع إلى اللّه تعالى ونفي للإيجاب عنه والوجود عليه الظاهر أنه علة للمعلل إذا لجعل معلل بالرحمة والمجموع معلل بالفضل والإحسان بل الأظهر أنه كالتأكيد لمن رحمته وفيه ترغيب للسعي الجميل في طلب الرزق كما ورد الكاعب حبيب اللّه وورد أيضا فاتقوا اللّه فاجملوا في الطلب أمر من الإجمال أو من الجميل . قوله : ( ولكي تعرفوا نعمة اللّه في ذلك لتشكروا عليها ) أي لعل هنا للتعليل دون الترجي ومحمول على الاستعارة التمثيلية لا بمعنى كي فإن المص رده في أوائل سورة البقرة بأنه ضعيف والمعرفة لازم متقدم على الشكر فيكون ثابتا فاقتضاء النص . قوله تعالى : [ سورة القصص ( 28 ) : آية 74 ] وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 74 ) قوله : ( تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب بغضب من اللّه تعالى من الإشراك به أو الأول لتقرير فساد أرائهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تشبه وهوى ) تقريع الخ أي السؤال للتقريع بعد تقريع لكونه أعظم الجرائم ذكر مرة بعد مرة أخرى للتحذير عنه على الوجه الأخرى أو لا إعادة إلا في اللفظ لتغاير المراد في الموضعين إذ الأول لتقرير المنافع أم أنتم صم عن سماع ما ينفعكم وقوله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون معناه أفلا تستدركون من ذلك ما يجب استدراكه إلى هنا كلامه . قوله : تقريع بعد تقريع قال صاحب الكشاف في تكرير التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذان بأن لا شيء اجلب لغضب اللّه من الإشراك به كما لا شيء ادخل في مرضاته من توحيده اللهم كما أدخلتنا في أهل توحيدك فأدخلنا في الناجين من وعيدك .
--> ( 1 ) فمن لجلية أو بمعنى الباء .